فخر الدين الرازي
253
تفسير الرازي
من وجوه أحدها : أن قوله : * ( منكم ) * خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين ، فلم قلتم : إنه مختص بالمؤمنين ؟ سلمنا أنه مختص بالمؤمنين ، فلم قلتم : إن تخصيصه بالمؤمنين في الذكر يدل على أن حال غيرهم بخلاف ذلك ، لا سيما ومن مذهب هذا القائل : أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال ما عداه بخلافه ، سلمنا بأنه يدل عليه ، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق ، فكان التمسك بعموم قوله : * ( والذين يظاهرون ) * أولى ، سلمنا الاستواء في القوة ، لكن مذهب أبي حنيفة أن العام إذا ورد بعد الخاص كان ناسخاً للخاص ، والذي تمسكنا به وهو قوله : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * ( المجادلة : 3 ) متأخر في الذكر عن قوله : * ( الذين يظاهرون منكم ) * والظاهر أنه كان متأخراً في النزول أيضاً لأن قوله : * ( الذين يظاهرون منكم ) * ليس فيه بيان حكم الظهار ، وقوله : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * فيه بيان حكم الظهار ، وكون المبين متأخراً في النزول عن المجمل أولى والجواب عن الثاني من وجوه الأول : أن لوازمه أيضاً أنه متى عجز عن الصوم اكتفى منه بالإطعام فههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه بالإطعام ، وإن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال ، والثاني : أن الصوم يدل عن الإعتاق ، والبدل أضعف من المبدل ، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره ، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع ، مع صحة الظهار ، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار الثالث : قال القاضي حسين من أصحابنا إنه يقال : إن أردت الخلاص من التحريم ، فأسلم وصم ، أما قوله عليه والسلام : " الإسلام يجب ما قبله " قلنا : إنه عام ، والتكليف بالتكفير خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأيضاً فنحن لا نكلفه بالصوم بل نقول : إذا أردت إزالة التحريم فصم ، وإلا فلا تصم . المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله : لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو أن تقول المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي ، وقال الأوزاعي : هو يمين تكفرها ، وهذا خطأ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين ، وهو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك ؟ ولأن الظهار يوجب تحريماً بالقول ، والمرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق . المسألة الثالثة : قال الشافعي وأبو حنيفة إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم ، بطل الظهار بمضي اليوم ، وقال مالك وابن أبي ليلى ، هو مظاهر أبداً لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلا لما انحل بالتفكير ، وإذا كان قابلاً للتوقيت ، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياساً على اليمين ، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى : * ( الذين يظاهرون ) * ، أما قوله تعالى : * ( من نسائهم ) * فيتعلق به أحكام المظاهر منه ، واختلفوا في أنه هل يصح الظهار عن الأمة ؟ فقال أبو حنيفة والشافعي : لا يصح ، وقال مالك والأوزاعي : يصح ، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتاً ، والتكفير لم يكن واجباً ، والأصل في الثابت البقاء ، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله : * ( والذين يظاهرون من نسائهم ) * ( المجادلة : 3 ) يتناول الحرائر دون الإماء ، والدليل عليه قوله : * ( أو نسائهن ) * ( النور : 31 ) والمفهوم منه الحرائر